الشيخ محمد رشيد رضا
269
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وجملة القول في الطهارة انها هي المبالغة في النظافة من غير تنطع ولا وسوسة ، وقد اتفق العلماء على أنها من العبادات المعقولة المعنى حتى قال بعضهم لا تجب في الوضوء النية ولا الترتيب الذي ثبت في الكتاب والسنة والعمل المطرد . وقد أوجب الاسلام طهارة البدن والثوب والمكان ، كما أوجب غسل الأطراف التي يعرض لها الوسخ كل يوم بأسباب من شأنها ان تتكرر كل يوم ، وغسل جميع البدن بأسباب من شأنها ان تتكرر كل عدة أيام ، واكد غسل الجمعة والعيدين وحث على السواك والطيب . وقد اشتهر امتياز الاسلام بالنظافة على جميع الأديان ، حتى صار هذا معروفا له عند غير أهله ، وسمعت كثيرين من أدباء النصارى يذكرون هذه المزية للاسلام ويعللونها بأن العرب كانت قليلة العناية بالنظافة لقلة الماء في بلادها ولقرب أهل الحضر منها من البدو في قلة التأنق والترف ( نفي الحرج من الدين واثبات اليسر ) ما نفاه اللّه تعالى من الحرج في هذه الآية قاعدة من قواعد الشريعة وأصل من أعظم أصول الدين تبنى عليه وتتفرع عنه مسائل كثيرة . وقد أطلق هنا نفي الحرج والمراد به أولا وبالذات ما يتعلق بأحكام الآية أو بما تقدم من الاحكام من أول السورة ، وثانيا وبالتبع جميع أحكام الاسلام ، ولهذا لم يقل ما يريد اللّه ليجعل عليكم من حرج فيما شرعه لكم من أحكام الطهارة مثلا ، لان حذف المتعلق يؤذن بالعموم ، وقد صرح بنفي الحرج من الدين كله في سورة الحج فقال ( 22 : 78 وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ، هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا ، لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) - الآية - وانما صرح في هذه الآية بنفي الحرج من الدين كله لان سورة الحج من السور المكية التي بينت أصول الاسلام وقواعده الكلية ، وهي تدل على أن القيام بما لا بد منه من عزائم الأمور ليس من الحرج في شيء ، لأنه نفى الحرج بعد الامر بالجهاد في سبيل اللّه حق الجهاد وهو بذل الجهد في الطريق الموصل إلى إقامة سنن اللّه تعالى وحكمته في خلقه وكل ما يرضيه من عباده من الحق